اسماعيل بن محمد القونوي
507
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
فيه أصحاب الجرائم لا يستطيع أن يتفصى بالفاء بمعنى أن يتخلص وهذا في الضال الذي يموت على الضلال أو عام خص منه البعض وهو من آمن منهم بعد ما ضل والظاهر أنه لا يستقيم العكس ولا اتفاق الحرف في الموضعين في نظر البلغاء وإن كان صحيحا في نفسه ولذا جاء في عامة المواضع عَلى هُدىً [ البقرة : 5 ] لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ [ يوسف : 8 ] ولا مساغ لإنكار صحة قولنا فلان على الكفر والضلال وفلان في الإسلام والهدى . قوله : ( هذا ادخل في الانصاف واخبت في الإسكات حيث أسند الإجرام إلى أنفسهم والعمل إلى المخاطبين ) . قوله تعالى : [ سورة سبإ ( 34 ) : الآيات 25 إلى 26 ] قُلْ لا تُسْئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنا وَلا نُسْئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ ( 25 ) قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ ( 26 ) ( يوم القيامة ) هذا ادخل في الانصاف الخ حيث أسند الإجرام « 1 » إلى أنفسهم بصيغة الماضي الدالة على التحقق وأسند العمل دون الإجرام وإن كان المراد من الكلام إلى المخاطبين المجرمين بصيغة المضارع وإن كان تعريضا كما في شرح المفتاح فيكون نظير قوله : وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي [ يس : 22 ] الآية وإن كان قوله : وَلا نُسْئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ [ سبأ : 25 ] لا يلائم « 2 » التعريض قوله يوم القيامة بقرينة قوله ثم يفتح . قوله : ( يحكم ويفصل بأن يدخل المحقين الجنة والمبطلين النار ) يحكم أي الفتح بمعنى الحكم والفتاحة الحكومة والفتاح القاضي قوله ويفصل بيان يحكم قوله بأن يدخل الخ إشارة إلى أن المراد بالحكم الحكم بالفعل وهو أقوى من الحكم بالقول وإن كان مجازا في الحكم بالفعل . قوله : هذا أدخل في الإنصاف فإنه تنزل من المكافحة الصريحة ونسبة الضلال إليهم في قوله : قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ [ سبأ : 22 ] الآية إلى تردد في قوله : وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [ سبأ : 24 ] ثم منه إلى نسبة الأجرام إلى نفسه والعمل إليهم ولما كان قُلْ لا تُسْئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنا [ سبأ : 25 ] الآية نازلا بدرجتين عن أصل الكلام كان أبلغ وأدخل في الإنصاف قال صاحب الانتصاف وذكر الأجرام المضاف إلى النفس بصيغة الماضي الذي يعطي معنى التحقيق وذكر العمل المنسوب إلى الخصم بما لا يعطى ذلك . أقول : هذا وجيه لا دخلية هذا من الأول في الإنصاف بوجهين الأول التعبير بلفظ الأجرام في جهته وبلفظ العمل في جهتهم والثاني التعبير بلفظ المضي في جهته وبلفظ المستقبل في جهتهم حتى أو قيل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تجرمون أو قيل لا تسألون عما عملنا ولا نسأل عما تعملون لكان أدخل أيضا ولكن قيل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تجرمون جمعا بين النكتتين وقد أحسن وأجاد رحمه اللّه .
--> ( 1 ) والمعنى لا تسألون عن المعاصي التي صدرت منا ولا تعاتبون وكذا قوله ولا نسأل أي ولا نعذب الخ فلا يضرنا كونكم في ضلال وبهذا ظهر الارتباط بما قبله . ( 2 ) إلا أن يقال إنه تصريح بعد تعريض بحيث لا يخل الإنصاف .